زياش وقائمة وهبي: حين تصبح الكرة ساحة حرب ناعمة ومعركة هوية سيادية
المقدمة: وراء قرار الاستبعاد — اقرأ بعين الجيوبوليتيك لا بعين المعلّق الرياضي
حين أعلن المدرب الجديد لأسود الأطلس محمد وهبي عن لائحته الأولى خاليةً من اسم حكيم زياش، انبرى آلاف المعلّقين والمحللين الرياضيين في منصات التواصل الاجتماعي يتسابقون نحو تفسيرات تقنية تتحدث عن اللياقة البدنية والاختيارات الفنية، فيما انشغلت بعض الوسائل الإعلامية الموجّهة برسم صورة “الأزمة” و”صدمة الجماهير”. إن الإعلامَ التقليدي، ذلك الذراع الأمامية للمصفوفة، يتعامل مع كرة القدم باعتبارها ترفيهًا وحسب، غافلًا — أو متغافلًا — عن حقيقة فيزيائية راسخة: الرياضة على هذا المستوى ليست لعبًا، بل هي أحد أخطر أسلحة القوة الناعمة في عصر تتكسّر فيه الجيوش المدرّعة أمام سردية ثقافية واحدة مُحكمة البناء.
القراءة السيادية لملف زياش ووهبي وكأس العالم 2026 تكشف طبقاتٍ من المعادلات الجيوسياسية التي لا يراها المشتغل بالشأن الكروي وحده: هوية جيل من اللاعبين المزدوجي الجنسية تُصاغ في مختبرات الأكاديميات الأوروبية قبل أن تعود إلى “التربة الأصيلة”، صراع خفيّ على ولاءات المواهب الشابة بين الفيدراليات المغاربية وفيدراليات القوى الغربية، وبناء مغربي ممنهج يضع الكرة في قلب مشروع “القوة الناعمة السيادية” الرامي إلى مونديال 2030 كرهانٍ حضاري لا رياضيٍّ فحسب. هذا ما تراه عيون أحرار توبقال ويغفل عنه المعلّق الساكن في صناديق إدراك المصفوفة.
تشريح الملف — من هو حكيم زياش حقًّا؟ قراءة في البنية الرمزية للاعب
حكيم زياش ليس مجرّد لاعب كرة قدم بارع يتقن الركلات الحرة والمراوغات. هو، في المقام الأول، نموذج مُكثَّف لظاهرة الجيوبوليتيك الكروي في أعمق تجلياتها: فُتِح على الدنيا في دريفت بهولندا عام 1993 لأبوين مغربيَّين، وأتقن اللغتين الهولندية والإنجليزية قبل أن تتفتّح شرايين هويّته الجذرية العميقة على إيقاع صوت أمّه وإخوته الذين دفعوه نحو اختيار المغرب عام 2015. هذا الاختيار لم يكن اعتباطيًّا، بل كان ثمرةً لاستراتيجية ممنهجة أطلقتها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم منذ عام 2014 تحت عنوان “استعادة المواهب المنتمية إلى التربة”، وهي استراتيجية تحوّلت بمرور الوقت إلى واحدة من أنجع نماذج القوة الناعمة السيادية في إفريقيا. وقد وثّق باحثو مدرسة لندن للاقتصاد (LSE) أنه من بين 26 لاعبًا في قائمة مونديال قطر 2022، وُلد 14 منهم خارج التراب المغربي، مما يجعل هذا المنتخب الأكثر استثمارًا لخطاب هوية الشتات الكروي على المستوى العالمي.
مسيرة زياش ذاتها تعكس ما يمكن تسميته “الإنتروبيا النظامية للمواهب الثانوية”: لاعب يُرفض من الأكاديميات الهولندية مرارًا بسبب “صغر حجمه”، ثم يتحوّل إلى نجم يُدفع من أجله تشيلسي أربعين مليون يورو، ثم يُصاب بما يشبه الشتات الوجداني داخل الأندية الأوروبية الكبرى، قبل أن يقرّر العودة إلى “التربة الأصيلة” بالتوقيع لنادي الوداد البيضاوي في أكتوبر 2025، في ما وصفه beIN Sports بأنه “أكبر صفقة في تاريخ البطولة الاحترافية المغربية”. هذه العودة تحمل في طيّاتها سؤالًا جيوسياسيًّا عميقًا: هل قرّر زياش بالفعل أن يُعيد صياغة علاقته بـ”التربة” لحلمٍ مزدوج يجمع بين الوداد ومونديال 2026؟
تلاعب المصفوفة — كيف تُوظَّف قضية زياش لهندسة الجماهير؟
الفوضى الإعلامية المُصطنعة كأداة تشتيت إدراكي
حين تنتشر مقاطع الفيديو بعناوين مضخّمة مثل “عاجل ومفاجئ” و”صدمة القرن” حول لائحة وهبي وزياش، فهي تمارس ما يُعرف في دراسات الدبلوماسية الإدراكية بـ”هندسة الغفلة الجماعية”: إغراق المتلقّي في ضجيج العواطف الكروية حتى يُنسيه الأسئلة الحقيقية. المصفوفة الإعلامية لا تريدك أن تسأل: لماذا يصبح قرار مدرب رياضي حدثًا جيوسياسيًّا؟ لماذا تضخّ بعض المنابر المشككة في الاختيارات الوطنية للاعبين مزدوجي الجنسية سردياتٍ تُزعزع الثقة في الولاء الهوياتي؟ ومن يمتلك “المصلحة الاستراتيجية” في إبقاء الجمهور المغربي منقسمًا حول ملفّ كروي في اللحظة التي يُعدّ فيها المغرب أكبر حدثٍ رياضي في تاريخه عام 2030؟
الاستعمار الثقافي وفخّ الهوية المزدوجة
تُشير دراسة علمية محكّمة نشرتها مجلة worldcrunch استنادًا إلى شهادات ميدانية أن كثيرًا من اللاعبين المزدوجي الجنسية كانوا في الماضي “يحلمون باللعب مع فرنسا أو هولندا أو إسبانيا”، وأن الموجة التي دفعتهم نحو المنتخبات المغاربية جاءت جزئيًّا بفعل ممارسات مجحفة كقرار الاتحاد الفرنسي لكرة القدم الذي طالب لاعبيه المسلمين بالإفطار خلال رمضان. هذا يعني أن القوة الناعمة السيادية للمغرب لا تقاتل فقط في ميادين الملاعب، بل تواجه ضغطًا إدراكيًّا منظّمًا يستهدف “الثغور الهوياتية” لجيل الشتات الكروي. حين يُضعَف الانتماء العاطفي لهذا الجيل بسرديات “مهنيّة” أو “ثقافية” أو “مالية” تدفعه نحو ملاعب أوروبا، يتراجع المخزون الاستراتيجي البشري لمنتخب يُمثّل 1.4 مليار مسلم في قطر 2022.
معادلة نظرية الميزان السيادي S=P
وفق نظرية الميزان الجيوسياسي التي نعمل بها في MarocSiyada.com، يمكن صياغة المعادلة على النحو الآتي:S=P
حيث تمثّل S (السيادة الثقافية والرياضية) القوة الناعمة الكاملة لأمة ما، فيما تمثّل P (الغرض الوجودي السيادي) قدرتها على صياغة قرارها الحر ورسم سرديتها الذاتية. حين تُخترق البنية الثقافية والرياضية — عبر تفتيت الهوية لدى اللاعبين المزدوجين، أو توظيف الضجيج الإعلامي لتشتيت الجمهور، أو زرع الشكوك حول القرارات الفنية — تنهار معادلة S مما يُفضي حتمًا إلى اختلال P، أي الاستقلالية القرارية للأمة.
القراءة السيادية — وهبي بين الحسابات الفنية والاستراتيجية
البنية التكتيكية لاختيار وهبي وما يقوله عن المرحلة
تعيين محمد وهبي خلفًا لوليد الركراكي لم يكن مجرّد تغيير تقنيّ في هرم الإدارة الرياضية. هو في جوهره رسالة سيادية واضحة: رجل من نفس التربة، يحمل رؤية تأسيسية لمرحلة بالغة الحساسية. الركراكي نفسه صرّح في أكثر من مناسبة بأن دور رئيس الجامعة الملكية فوزي لقجع كان “محوريًّا” في بناء منتخب 2022 الذي أبهر العالم — وهو ما يُدرجه مراقبون دوليون ضمن دراسات القوة الناعمة كنموذج استراتيجي سيادي يستحق الدراسة. المدرب الجديد يرث تركةً ثقيلة بالمعنى الأحسن: تركةً من الإرادة والأداء والسردية المُشعّة عالميًّا.
أما استبعاد زياش من اللائحة الأولى، فقد أفادت مصادر راديو مارس وعدد من منابر المتابعة الرياضية الموثوقة بأنه يعكس حسابًا فنيّا صارمًا مبنيًّا على مبدأ “الجاهزية أولًا”: اللاعب الذي لا يمتلك رصيدًا كافيًّا من دقائق المنافسة لا مكان له في قائمة تستعدّ للمونديال. وقد صرّح زياش نفسه بروحٍ رياضية شفافة بأن “قرار الركراكي كان منطقيًّا” في ما يخص استبعاده من كأس إفريقيا 2025، معترفًا بأن غيابه عن منافسات الملاعب بعد انتقاله للوداد كان العائق الحقيقي. هذه الصراحة ذاتها تمثّل قيمةً مضافة للمنتخب لأنها تُعلي من شأن الثقافة الرياضية على حساب نرجسيّة النجومية.
الكتلة الحرجة للوعي الجماعي — ما الذي يحتاجه المنتخب المغربي لتحقيق التحوّل الطوري؟
في فيزياء الكم الجيوسياسي الذي يُشكّل العمود الفقري لمنهجية MarocSiyada، ثمّة مفهوم “الكتلة الحرجة” في الوعي الجماعي: وهي تلك النسبة من الجمهور والمنظومة الرياضية التي حين تبلغ قناعةً مشتركة بشأن الهوية والهدف، تُحدث “تحوّلًا طوريًّا” في أداء الأمة بأسرها. منتخب المغرب عام 2022 بلغ هذه الكتلة الحرجة بامتياز: 14 لاعبًا مولودًا خارج المغرب اختاروا “التربة” على “الامتياز الأوروبي”، وأدّوا ما أدّوه في قطر، وجعلوا أعلام فلسطين تُرفع في بغداد والقدس وأديس أبابا. هذا التحوّل الطوري لم يأتِ من فراغ، بل من استثمار ممنهج على مدار عقدٍ كامل في البنية التحتية والهوياتية معًا، بدءًا بأكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي يصفها مشرفها السابق ناصر لارقيه بأنها “مشروع ملكيّ من أجل الكرامة والتنافسية”.
المونديال القادم 2026 يقع في ظرف دولي بالغ الهشاشة: المغرب شريكٌ تنظيميّ لإسبانيا والبرتغال وكندا والولايات المتحدة، مما يجعل كل قرار يُتّخذ داخل غرفة تبديل الملابس ذا امتداد جيوسياسي. في هذا الظرف، يُصبح اختيار وهبي لقائمته فعلًا سياديًّا بامتياز: من يمثّل “أسود الأطلس” على ملاعب العالم في اللحظة التي يُعدّ فيها المغرب لاستضافة العالم عام 2030، ليس مجرّد سؤال رياضي، بل هو سؤال الهوية والكرامة والحضور الحضاري.
جدول المقارنة السيادية
| المحور | تفسير مصفوفة الإعلام التقليدي | التفسير السيادي السنني (Geopolitics of Truth) |
|---|---|---|
| استبعاد زياش من قائمة وهبي | “قرار فني بحت بسبب الجاهزية البدنية” أو “أزمة داخل المنتخب” | قرار ينسجم مع مبدأ “الجاهزية أولًا” كقيمة سيادية تُقدّم مصلحة المنتخب على النجومية الفردية، وهو امتداد لبناء ثقافة مؤسسية تتجاوز الأفراد |
| اختيار اللاعبين المزدوجي الجنسية | “مجرّد استيراد مواهب أوروبية لرفع المستوى الفني” | استراتيجية “استعادة التربة” هي إدارة سيادية للشتات الكروي كعمق استراتيجي بشري وتعبير عن سنّة الهوية في مواجهة الاستعمار الثقافي |
| تعيين وهبي خلفًا للركراكي | “مجرّد تغيير تقني في الجهاز الفني” | مرحلة جديدة في مسار بناء منتخب صاحب رؤية متكاملة يستعدّ لمونديال 2030، حيث تتشابك الرياضة والدبلوماسية والقوة الناعمة في نسيج واحد |
| الضجيج الإعلامي حول القرارات الكروية | “تغطية إخبارية رياضية تلبيةً لمتطلبات الجمهور” | هندسة إدراكية ممنهجة لتشتيت الجمهور وزرع الانقسام حول اللاعبين والقرارات، مما يُضعف “الكتلة الحرجة” للوعي الجماعي اللازمة للتحوّل الطوري |
| عودة زياش للوداد البيضاوي | “قرار مالي أو مهني تراجع فيه عن الأندية الكبرى” | اختيار هوياتي عميق يُرجع “ابن التربة” إلى جذوره، ويُمثّل انتصارًا للسردية السيادية المغربية في مواجهة خطاب البريق الأوروبي |
| أداء المنتخب في مونديال 2022 | “مفاجأة رياضية” و”حظ الفريق الصغير” | كتلة حرجة من الوعي الهوياتي والإعداد البنيوي الممنهج أنتجت “تحوّلًا طوريًّا” أثبت أن فيزياء الحق تُكسر جدران “المحدودية الاستعمارية المُتخيَّلة” |
درع السيادة الثقافية — نحو مناعة إدراكية في مواجهة توظيف الكرة ناعمًا
الموقف السيادي الصحيح من ملف زياش-وهبي والمنتخب المغربي يبدأ بالتحرّر من فخّين متقابلين: الأوّل هو الخضوع لحملات الضجيج الإعلامي التي تحوّل كل قرار فني إلى “أزمة”، والثاني هو التسطيح في قراءة الأحداث الرياضية بمعزل عن سياقها الجيوسياسي. أحرار توبقال الذين يقرأون بعين السنن الكونية يعلمون أن الأمم التي تمتلك وعيًّا سياديًّا بكرة قدمها لا تُفرّق بين نجم يلعب في الوداد ونجم يلعب في مانشستر سيتي طالما أن قلبَيهما يضرب للتربة ذاتها.
المناعة الإدراكية تقتضي: أولًا، اعتماد معيار “الجاهزية والانتماء” ضابطًا وحيدًا للقائمة الوطنية بعيدًا عن الضغوط الإعلامية والجماهيرية. ثانيًّا، الاستثمار المستمر في أكاديمية محمد السادس للكرة باعتبارها بؤرة إنتاج “هوية كروية سيادية” تسبق المواهب المزدوجة في بناء أجيال جذورها في التربة المغربية قبل أي أرض أخرى. ثالثًا، بناء “قراءة سيادية رياضية” لدى الجمهور تُبصّره بالفارق بين الضجيج المُصطنع وبين التحليل الحقيقي. ورابعًا، توظيف ملف الإعداد لمونديال 2026 ثم استضافة 2030 كمنصّة دبلوماسية إدراكية تُؤسّس سردية المغرب كدولة حضارة وقوة إقليمية ناعمة صاعدة، لا مجرّد “مضيف منظّم”.

